صديق الحسيني القنوجي البخاري
356
فتح البيان في مقاصد القرآن
دلالة الفعل أقوى من دلالة لعروض الاحتمالات في الألفاظ دون الأفعال فإن دلالتها لا يعرض لها الاحتمال . وتكرير البين لتحقيق المقابلة . وَأُوحِيَ إِلَيَّ أي أوحى اللّه إلي هذَا الْقُرْآنُ الذي تلوته عليكم لِأُنْذِرَكُمْ أي لأجل أن أخوفكم بِهِ وأحذركم مخالفة أمر اللّه وهذا بمنزلة التعليل لما قبله أي نزوله على شهادة من اللّه بأني رسوله ، وقرىء أوحى على البنائين للفاعل والمفعول قال ابن عباس : لأنذركم به يعني أهل مكة وَمَنْ بَلَغَ يعني من بلغ هذا القرآن من الناس فهو له نذير أي أنذر به كل من بلغ إليه موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة إلى يوم القيامة من العرب والعجم وغيرهم من سائر الأمم . وفي هذه الآية من الدلالة على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد كشمولها لمن قد كان موجودا وقت النزول ما لا يحتاج معه إلى تلك الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه . وعن أنس قال : لما نزلت هذه الآية كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي وكل جبار يدعوهم إلى اللّه عز وجل ، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه . وأخرج أبو نعيم والخطيب وابن النجار عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من بلغه القرآن فكأنما شافهته به » ، ثم قرأ هذه الآية ، وعن محمد بن كعب القرطبيّ قال : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي لفظ من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكلمه . وعن مجاهد قال : لأنذركم به يعني العرب ومن بلغ يعني العجم ، قال السمين فيه ثلاثة أقوال أحدها : لأنذر الذي بلغ القرآن الثاني : لأنذر الذي بلغ الحلم والثالث : لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « بلغوا عني ولو آية » « 1 » أخرجه البخار وعن ابن مسعود قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « نضر اللّه امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى له من سامع » « 2 » أخرجه الترمذي وفي الباب أحاديث .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 50 ، والترمذي في العلم باب 13 ، والدارمي في المقدمة باب 46 ، وأحمد في المسند 2 / 159 ، 202 ، 214 . ( 2 ) روي الحديث بلفظ : « فإن ربّ مبلّغ يبلغه من هو أوعى له » ، أخرجه البخاري في الفتن باب 8 ، والعلم باب 9 ، والحج باب 132 ، والترمذي في العلم باب 7 ، والدارمي في المقدمة باب 24 ، وابن ماجة في المقدمة باب 18 ، وأحمد في المسند 5 / 39 ، 45 ، 49 ، 72 .